محمد بن جرير الطبري

373

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ثناؤه عني بقوله : " وأنتم تعلمون " أحدَ الحزبين ، بل مُخرَج الخطاب بذلك عامٌّ للناس كافةً لهم ، لأنه تحدَّى الناس كلهم بقوله : " يا أيها الناس اعبدُوا ربكم " - أن يكون تأويلُهُ ما قاله ابنُ عباس وقتادة ، من أنه يعني بذلك كل مكلف ، عالم بوحدانية الله ( 1 ) ، وأنه لا شريكَ له في خلقه ، يُشرِك معه في عبادته غيرَه ، كائنًا من كان من الناس ، عربيًّا كان أو أعجميًّا ، كاتبًا أو أميًّا ، وإن كان الخطابُ لكفار أهل الكتابِ الذين كانوا حَواليْ دَار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأهل النفاق منهم ، وممن بينَ ظَهرانيهم ممّن كان مشركًا فانتقل إلى النفاق بمقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم . * * * القول في تأويل قوله : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } قال أبو جعفر : وهذا من الله عز وجل احتجاجٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم ، وكفار أهل الكتاب وضُلالهم ، الذين افتتح بقصَصهم قولَه جل ثناؤه : " إنّ الذين كفروا سَواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم " ، وإياهم يخاطب بهذه الآيات ، وضُرباءَهم يَعني بها ( 2 ) ، قال الله جلّ ثناؤه : وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفارُ من أهل الكتابين ، في شكٍّ - وهو الريب - مما نزّلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان : أنه من عندي ، وأنّي الذي أنزلته إليه ، فلم تُؤمنوا به ولم تصدّقوه فيما يقول ، فأتوا بحجة تدفع حُجته ، لأنكم تعلمون أن حجةَ كلّ ذي نبوّة على صدقه في دعوَاه النبوة : أن يأتي ببرهان يَعجز عن أن يأتيَ بمثله جَميعُ الخلق . ومن حجة محمد صلى الله عليه وسلم على صدقه ، وبُرْهانه على حقيقة نبوته ( 3 ) ، وأنّ ما جاء به من عندي - عَجزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم ، عن أن تَأتوا بسورةٍ من مثله . وإذا عَجزتم عن ذلك - وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والذَّرابة ( 4 ) - فقد علمتم أن غيركم عما عَجزتم عنه من ذلك أعْجزُ . كما كانَ برهانُ من سَلف من رُسلي وأنبيائي على صدْقه ، وحُجتهُ على نبوته من الآيات ، ما يَعجز عن الإتيان بمثله جميعُ خلقي . فيتقرر حينئذ عندكم أنّ محمدًا لم يتقوَّله ولم يختلقْه ، لأنّ ذلك لو كان منه اختلافًا وتقوُّلا لم تعجزوا وجميع خلقي عن الإتيان بمثله . لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يَعْدُ أن يكون بَشرًا مثلكم ، وفي مثل حالكم في الجسم وبَسطة الخلق وذرَابة اللسان - فيمكن أن يُظنّ به اقتدارٌ على ما عَجزْتم عنه ، أو يتوهم منكم عجزٌ عما اقتدر عليه . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : " فأتوا بسورَة من مثله " . 491 - فحدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : " فأتوا بسورة من مثله " ، يعني : من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا ، لا باطل فيه ولا كذب . 492 - حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزّاق ، قال : أخبرنا

--> ( 1 ) في المخطوطة : " من أنه معنى بذلك . . " ، وهما سواء . ( 2 ) في المطبوعة : " وأخبر بأهم نعوتها " ، وهي في المخطوطة " + وحرناهم تعنى بها " غير منقوطة ولا بينة ، فاختار المصححون لها قراءة لا تحمل معنى ! والضرباء : جمع ضريب ؛ فلان ضريب فلان : نظيره أو مثله . ( 3 ) في المطبوعة : " وبرهانه على نبوته " . ( 4 ) في المطبوعة : " والدارية " ، ولا معنى لها هنا ، وستأتي بعد أسطر على الصواب . والذرابة : الحدة في كل شيء ، وحدة اللسان وفصاحته ولدده . ذرب الرجل يذرب ذربًا وذرابة : فصح وصار حديد اللسان ، فهو ذرب اللسان ( بفتح الذال وكسر الراء ) .